|
في ليلة الشتاء تلك، بينما كان القمر يلاعب الغيوم المثقلة بحملها، يُسرج بصمت قطعة من كبد السماء، فتلاحقه الغيوم بتثاقل لتواري سؤته خلف عبائاتها الكحلية، فيقفز بمرح الى مكان اخر، فتلاحقه مرة اخرى... راح شوق غامر يغلي في أعماق روحي، ليثير عاصفة من الحنين الى معشوقتي التي سلبت مني منذ عقود.
هنالك صليت لأفروديت بخشوع، علّها تدلني عليها.. وفجأة أزاحت افروديت عباءة غيمة كانت مفروشة بدقة على مغرب الأفق، وتطلعت بعينيها الناعستين نحوي بأستغراب، ثم أخرجت من تحت جلبابها لفافة بردي غطت بها مابين المشرق والمغرب، نظرت فيها بتأني، ثم قالت:
ـ ايها المسلوب حبيبته، اذهب الى مرضعة اسلافك، فدواءك عندها...
ثم راحت تغيب خلف الغيوم من جديد، فصرخت اليها سائلاً:
ـ ومن هي مرضعة اسلافي ياسيدة الحب؟
فدوت قهقهتها كالرعد في ارجاء السماء، وهي تردد:
ـ أيها الشقي، أنها أم السماء، أنها أم اوغوزخان!
ـ واين اجد ام اوغوزخان يا افروديت؟
لم يكن هناك غير قهقهات تداخلت مع الرعود ثم تلاشت في الجهات الاربعة...
فتشت بين كتبي الالف ومئتين، ولم اجد ما يدلني على أم السماء، تذكرت فجأة ذلك الصندوق الصغير المرمي في قبو بيتنا مع سيوف واسراج خيول لم ترى النور منذ ثمانين عاماً. كانت إحدى عجائز القبيلة قد صنعته من بقايا جهاز عرسها الذي لم تهنأ به قط، ووضعت فيه منديلاً حاكته من ظفائرها التي لم يلمسها رجل طوال عمرها المديد... هكذا روت لنا جدتي يوماً حكاية ذلك الصندوق، فضحكنا وقهقهنا لكلامها، حتى أضطرت هي الاخرى على الضحك معنا... ولم يفكر احد منا ان يفتح الصندوق منذ ذلك اليوم!
اوووووه... لقد صدقت جدتي والله، هو ذا المنديل ملفوف بعناية داخل الصندوق!
"مرضعة الاسلاف هناك، ترعى الشياه عند منابع النهر العظيم"
أهذا كل ما هنالك؟ اوَ يستحق هذا الكلام المقتضب أن يحافظ عليه من الحر والبرد كل تلك القرون! هكذا تفكرت في نفسي وأنا أقرء ما كتب على المنديل.
قبلت يدا امي التي لم أرها منذ سبع سنين، واستأذنتها للرحيل الى حيث لا أعلم...
وما أن نويت الى حيث ترعى ام السماء شياهها، حتى وقف البرق قبالتي وبلا دعوة، وبدء يثير الغبار بحافره... أمتطيته وأرخيت لجامه الى حيث ترعى أم السماء شياهها.
هناك عند منابع النهر العظيم وجدت خيمة قد حيكت من نور القمر وطرزت بخيوط الشمس، كانت ام اوغوخان تجلس هناك على باب الخيمة وعليها جلباب من ماء رقراق، كانت منشغلة تضرب بكف ذئب* تحتفظ به منذ الازل على ضرع شاة لها قد نضب حليبها... أستنكرت منها ذلك، فشدت غضون وجهها المرتمية عند ذقنيها من تكدس السنين وقالت:
ـ هون عليك، أنما أضرب شيطاناً قبض على الضرع لا يتركه.
فقلت لها:
ـ يا أم السماء، يامرضعة الاسلاف... ما لي وللضرع والشاة وكف الذئب! أنما جئت لأسئل عن ياقوتتي التي سلبت مني منذ عقود.
فأجابت والاشجار تخضّر من هدير صوتها:
ـ يا بني... أن ياقوتتك التي هربها اللصوص الى الصحاري، قد حملت هذه المرة الى حيث الجبال، وما لك سبيل اليها بغير هذا الكف، تضرب به حتى يحل عنها المارد اللعين.
انحنيت لمرضعة الاسلاف وغادرتها وانا اسف على ما فوتُّ من زمن في البحث عنها والكلام اليها، وحملت ذلك الكف في الخرج مكرهاً، أذ كيف يرفض المرء وصية مرضعة الاسلاف!
طفتُ الصحاري فلم أجد فيها غير اطلال واكوام من الاماني وءدت منذ قرون، وكلما اوغلت هناك خلف شعاع ياقوتتي المهربة، كان الطريق يفضي بي الى حيث الجبال، ووجه مرضعة الأسلاف تتطلع اليّ بين الفينة والاخرى وتردد:
ـ الم اقل لك! الم اقل لك!
كان الشعاع يزداد وضوحاً فرسخاً بعد فرسخ، وما ان حط البرق بقوائمه عن اطراف الجبال، حتى سمعت صراخاً صاعداً الى السماء كدخان كثيف، إنهم اللصوص يدنسون ياقوتتي الحبيبة، يراهنون عليها وهم يقامرون بالنرد مع شياطين الجن والانس.
صرخت اليهم مستغيثاً، أيها الأحبة أتركوا لي ياقوتتي إنها كل ما املك... أيها الاحبة أطلقوا سراح محبوبتي، فصغارها يموتون من الحسرة... أيها الأحبة لا تقامروا بما لا تملكون... أيها الأحبة... أيها الأحبة...
التف اللصوص حولي جميعاً، كسروا أضلاع صدري، قلعوا اسناني، نتفوا الشعر من راسي ووجهي حتى غابت ملامحي، وانا ما زلت اصرخ: أيها الأحبة... أيها الأحبة...
ثم تركوني مرتمياً كفطيسة على قارعة الطريق، وذهبوا ليختصبوا ياقوتتي... هناك تذكرت كف الذئب، فأخرجته من الخرج ورميتهم به، فصاروا في الحال كعامود ملح جعلته الرياح هباءاً منثورا...
حملت ياقوتتي الى حيث يجب ان تكون، وأم اوغوزخان تتطلع اليّ بين الفينة والاخرى وهي تردد:
ـ الم اقل لك! الم اقل لك!
* مازال الكثيرين من مربي الاغنام من التركمان يحتفظون بكف ذئب (الكف اليمنى) في بيوتهم، يعالجون به ضرع الشاة التي تتيبس او ينضب حليبها.
لا يسمح بالنقل أو الإقتباس دون ذكر المصدر
العودة الى الرئيسية
|